الفريق الأول: هم المؤمنون الذين يتلقون كل ما يصدر عن ربهم بما يليق بجلاله، وبما يعرفون من حكمته، يعلمون أن المثل هو الحق الثابت من ربهم الذى يضرب الأمثال، ليعينهم على فهم المعانى الصحيحة.
وفي القرآن الكريم بضعة وأربعون مثلا، كان بعض السلف يبكى إذا لم يفهم أحدها، ويقول: (لست من العالمين) مشيرًا إلى قوله عز وجل: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ} (من 116 من كتاب: من هدى السنة. للأستاذ على حسب اللَّه رحمه اللَّه، والدكتور مصطفى زيد) .
والفريق الثانى: هم الكافرون المحجوبون عن نور اللَّه وحكمته، الذين قطعت صلتهم بسنة اللَّه وتدبيره يسألون: {مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} سؤال من لا يرجو لله وقارا، ولا يتأدب معه الأدب اللائق بالعبد أمام فعل الرب {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا} .
لهذا رد اللَّه عليهم بقوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} أى يضل بهذا المثل كثيرًا من الناس مثلهم، ممن ساء اختيارهم، وأظلمت قلوبهم، ويهدى به كثيرا ممن حسن اختيارهم، واستنارت قلوبهم.
والإضلال: خلق الضلال في العبد لسوء اختياره، وتركه ونفسه يختار ما يشاء كما اقتضته سنته في نظام هذه الدنيا من ألا يجبر أحدًا على شيء، وليس معناه: أنه يخلق الضلال في العبد خلقًا قهرًا عنه، فتكون أفعاله وحركاته كحركة الدم في الجسم، وعمل المعدة في الهضم لا دخل له فيها، ولا يستطيع الخلاص منها.
والهداية: خلق الهداية في العبد لحسن اختياره، بأن يوفقه للانتفاع بعقله وسمعه وبصره لسلامة طبعه، ونظافته من الأمراض المميتة للقلوب.
ووصف كل من المؤمنين والكافرين بالكثرة- لا ينافى أن أهل الضلال أكثر عددًا من أهل الهداية، قال تعالى في المؤمنين: {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} [ص: 24] ، {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13] .