ننتقل من هذه المقدمة، إلى الحديث الذى نحن بصدده، فنجد أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، يدعو إلى عدم الاستسلام للهموم والأحزان، وما إليها من الضعف والكسل. فقد دخل المسجد يومًا في غير أوقات الصلاة، فوجد رجلًا من الأنصار يسمى أبا أمامة، ولما سأله عن حاله أجاب: هموم لزمتنى وديون يا رسول اللَّه. ولما كان شأن المسلم الالتزام بالجد والعمل، وعدم الركون إلى الدعة والكسل والضعف: علمه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - دعوات إذا قالها صباحًأ ومساء، بإخلاص وإقبال على اللَّه، مع اتخاذ الأسباب، وعدم القعود عن طلب الرزق، صرف اللَّه همومه وأحزانه، وذلك بأن يهيئ اللَّه من أمره رشدا، ويوسع له في رزقه، حتى يتمكن من أداء دينه، فيذهب عن نفسه نغص العيش ومرارة الحياة. فقال الرجل: علمنى يا رسول اللَّه هذه الدعوات، فعلمه أن يتعوذ من ثمانية أشياء: -
أولًا- الهم الحزن: لأن الهم مصدر القلق، وخاصة الآمال الكبيرة التى يرجى تحقيقها أو يخاف ضياعها، لأنه إذا لم يتحقق أمله، ازداد اضطرابًا، وتقاعس عن العمل، كما أنه يفتح المجال لخصومه للإيقاع به- والتفكير في الهموم مضيعة للوقت، وتعبير بسخط العبد على قضاء اللَّه سبحانه، الأمر الذى لا يتفق مع الإيمان، ولذا جعل اللَّه المصائب من البلاء {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155] .
ولذا علمنا رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - عند الشدائد، أن نتقيها بالدعاء إلى اللَّه والالتجاء إليه، بدلًا من استقبالها بالهلع والحزن كما قال اللَّه تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا} . وقال فيما يحكيه عن نبيه {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} .