أخذت (الطليعة المؤمنة) في المدينة طريقها إلى تطبيق الإسلام، وجعله حياتها وسلوكها، وذلك حتى قبل أن يهاجر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن أدلة ذلك أن أبا أمامة أسعد بن زرارة جمع أربعين رجلًا من الأنصار، وصلى بهم الجمعة لأول مرة في تاريخ الدعوة الإسلامية. وكان هذا في مكان فالمدينة يقال له (نقيع الخضمات بهزم النبيت من حرة بني بياضة) هذا، مع أن المسلمين في مكة لم يتمكنوا من إقامة صلاة الجمعة، إذ كان المجتمع الجاهلى يملك أزمة الأمور فيها، ويتربص بالحق وأهله الدوائر، وهذا يلفت نظرنا إلى ملحظين هامين وهما:
أ - أن العقيدة الحقة لا تثمر ثمرتها المباركة إلا في جو الحرية الأمين كالذى توفر في المدينة.
ب- إن قيام الجمعة وجماعة الصلوات مرتهن بوجود المجتمع الإسلامي الذي أقامته الدولة الإسلامية في المدينة.
6 -بيعة العقبة الثانية:
كانت (بيعة العقبة الثانية) من ثمرات الجهود المخلصة التى قامت بها الطليعة المؤمنة في (يثرب) ففي العام الذى تلا بيعة العقبة الأولى، وعند مكان العقبة، وفي جوف ليلة من ليالى التشريق .. التقى برسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان من نسائهم، وحضر هذا الاجتماع العباس بن عبد المطلب عم رسول اللَّه- وكان لا يزال مشركًا- ولكنه حماية لابن أخيه، ودفاعًا عنه، أراد أن يستوثق من نصرة الأنصار للرسول .. ولقد قال الأنصار للرسول: خذ لنفسك، ولربك ما أحببت.
وتكلم الرسول - صلى الله عليه وسلم - فتلا القرآن، ودعا إلى اللَّه، ورغب في الإسلام، ثم قال: (( أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم ) ).
فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذى بعثك بالحق لنمنعك مما نمنع منه أزرنا (يعنى أعراضنا) فبايعنا يا رسول اللَّه، فنحن أهل الحرب، وأهل الحلقة (درع الحرب) ، ورثناها كابرًا عن كابر (عظيمًا عن عظيم) .