ومقام هذا المجذوب أعظم عند اللَّه من مقام الأنبياء، لأن الأنبياء يتلقون شريعة اللَّه بواسطة الوحى، أما المجذوب فيتلقاها مباشرة عن اللَّه .. ويقول الدسوقى عن ذلك (إذا قام العارف في مقام العرفان أورثه اللَّه علما بلا واسطة، وأخذ العلوم المكنونة في ألواح المعانى ففهم رموزها وعرف كنوزها وفك طلسماتها وعرف اسمها ورسمها، وأطلعه اللَّه على الحروف المودعة في النقط، ولولا خوف الإنكار لنطقوا بما يبهر العقول) .
وانطلاقا من هذا الموقف عندهم فإنهم يرون أن النبوة ما زالت قائمة في شخص هؤلاء المجاذيب، وأن هناك نبوة بعد محمد، ويسمونها (نبوة التحقيق) فيقولون: (إن نبوة التشريع إذا كانت قد انتهت بموت النبي فإن نبوة التحقيق لم تنقطع) أى في شخص (دراويش الصوفية) ولهذا ينظرون إلى الولى بأنه أعلى مرتبة من النبي فيقولون: (النبي يأخذ عن اللَّه بواسطة ملك، فإن النبي المحقق- أى مجذوب- يأخذ عن اللَّه في السر ما هو بالصورة الظاهرة، لأنه يأخذ من حيث يأخذ الملك الذي يوحى إلى نبي التشريع) .
ونبوة التحقيق التي يتحدث عنها هؤلاء الدراويش تعنى شيئين:
الأول: أن نبوة رسول اللَّه ناقصة، وأن التشريع الذي أتى به غير كامل، وبالتالى: فإن أنبياء التحقيق هم الذين يتولون إكمال هذا الدين وإتمامه وهذا هدم صريح لآيات القرآن التي نصت على تمام هذا الدين وكماله حيث قال اللَّه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} وهذا يبين لنا أن دين اللَّه ليس في حاجة إلى إضافة أو ابتداع من (نبى محقق) .