إن الحياة قاسية لا ترحم؛ عنيفة لا تهدأ، وهي قائمة على الكفاح والنضال واقتحام العقبات في صراع مرير بين القوى العاتية، ولا بقاء فيها إلا للأصلح: {فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} . والأقوى في هذا المعترك هو الذي يملك زمام نفسه وينظم طاقاته النفسية ومواهبه العقلية التي هي سلاحه في معترك الحياة، وبهذا يستطيع أن يتلقى الصدمات بالصبر، وأن يحوض المعارك محتملًا مشقاتها في صبر وجلد حتى يفوز بالنصر.
ويصمد حتى تلوح أمامه الفرصة للانقضاض.
ولا يعلم الصبر شيء مثل الصيام، قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن ماجه:"الصيام نصف الصبر". وقال عليه الصلاة والسلام:"الصيام جنة - الجنة الوقاية - وهو حصن من حصون المؤمن".
وخير نعمة ينعم الله بها على عباده أن يلهمهم الصبر في اجتياز الأزمات واحتمال المشقات.
روى الشيخان عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث: (( ومن يصبر يصبره الله، وما أعطى أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر ) ).
والمؤمن دائم الثقة بربه، وهو يعلم علم اليقين:"أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه". رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
كما يعلم أن لكل شدة نهاية: {إن مع العسر يسرًا إن مع العسر يسرًا} . وهو مؤمن بقول الرسول صلى الله عليه وسلم - من حديث طويل رواه الترمذي وحسنه:"إن عظم البلاء مع عظم الجزاء، وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضى فله الرضا ومن سخط فله السخط".
والتطبيق العملي للصبر هو الصيام، لأنه صبر على أداء الطاعات، واحتمال المشقات، وسيطرة على النزوات والشهوات. وهو تدريب واقعي يكف النفس عما ألفته من عادات وما تعلقت به من طيبات.