بعد دعوة الناس كافة إلى عبادة اللَّه وحده، وتذكيرهم بنعمه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ، يدعو اللَّه تعالى بنى إسرائيل خاصة إلى ذكر نعمه، والوفاء بعهده، وخشيته وحده، فيبدأ الكلام معهم بهذه الآية الفذة، وهى على قلة كلماتها جامعة لأغراض الحديث كله: ففيها يناديهم بأحب أسمائهم، وأشرف أنسابهم: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} (وإسرائيل: باللغة العبرية معناها:(عبد اللَّه) أو (صفوة اللَّه) باللغة العربية و (ايل) معناها (اللَّه) . وهو لقب يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم عليهم السلام).
ويذكرهم بسابق نعمته عليهم إجمالًا، ويبنى على ذلك دعوتهم إلى الوفاء بعهد اللَّه، ليشملهم برحمته، ويجزيهم بإحسانه، وينجيهم من عذابه، ترغيبًا وترهيبًا، ليخشوه وحده ويتقوه. وذكر النعم: شكر اللَّه تعالى عليها.
وقد فصلت هذه النعم، كما فصل وشرح العهد الذى طلب منهم الوفاء به في الآيات التالية.
والخطاب- في كل ذلك- موجه إلى المعاصرين منهم للنبي - صلى الله عليه وسلم -، مع أن بعض هذه النعم كانت على آبائهم، كالإنجاء من الغرق، وإغراق فرعون وجنوده، وبعض هذه المعاصى كانت من هؤلاء الآباء أيضًا كاتخاذ عجل السامرى إلهًا، وقولهم لموسى: {أَرِنَا اللَّهِ جَهْرَةً} ، وإنما ذكر المعاصرون منهم بنعم الآباء لأن أثرها واصل إليهم وفضلها عائد عليهم.
وإنما وبخوا على معاصيهم، لأنهم يعتزون بالانتساب إليهم، ومن اعتز بآثم فهو آثم مثله، وكأنما فعل فعله، ولأن عار أثم الآباء يلحق الذرية، ما داموا على سنتهم في الضلال، فكأنهم فيه شركاء.
والعهد الذي أمرهم اللَّه تعالى بالإيفاء به: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي} ما عهد إليهم بفعله من الإيمان والطاعة والعمل الصالح أن يؤدوه وافيا، ليفى اللَّه تعالى بعهده إليهم أن يثيبهم، ويحسن جزاءهم.