{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} كان رؤساء اليهود وأحبارهم وعلماؤهم الذين اطلعوا على التوراة الصحيحة وقرءوها، وعرفوا مما ورد فيها أن محمدًا رسول اللَّه حقًا - كانوا يأمرون من آمن بالرسول - صلى الله عليه وسلم - ممن تربطهم بهم رابطة قرابة، أو مصاهرة ـ أو رضاع، ممن يثقون بهم - يأمرونهم سرًا بالثبات على دين الإسلام، لاعتقادهم أنه الدين الحق، (كان الرجل منهم يقول لصهره وذوى قرابته ولمن بينه وبينهم رضاع من المسلمين: اثبت على دين اللَّه الذى أنت عليه، وما يأمرك به هذا الرجل، فإن أمره حق، وكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه(قاله ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما. ارجع إلى أسباب النزول للواحدى، وأسباب النزول للسيوطى) فنزلت هذه الآية الكريمة (الآية 44 من سورة البقرة) ، توبيخًا من اللَّه تعالى لبني إسرائيل (فالهمزة في {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} للاستفهام المقصود به التوبيخ والإنكار والتعجب، وهذا التوبيخ ليس على أمر الناس بالبر، وإنما على نسيان أنفسهم وتركها في الضلال والكفر وهم يأمرون الناس بالإيمان والخير، ويتلون القرآن) وتعجيبًا من شأنهم كيف يأمرون غيرهم بالإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، والثبات على دينه، ولا يؤمنون هم؟ والخطاب - وإن كان خاصًا ببني إسرائيل - عام من حيث المعنى لكل من يتأتى له الخطاب، والعبرة - كما يقول علماء الأصول - بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، فكل واعظ يأمر بالخير ولا يأتمر، ويزجر عن الشر ولا ينزجر يدخل في هذا التوبيخ والتعجيب:
يأيها الرجل المعلم لغيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذى السقام (السقام بفتح السين المشددة: طول المرض وذو السقام: من طال مرضه) وذى الضنى (الضنى: اشتداد المرض المسبب للهزال)