ويحتمل أن يراد بالصلاة: معناها اللغوى، وهو الدعاء، فإنه من خير ما يستعان به.
والخطاب موجه إلى اليهود بعد دعوتهم إلى الإيمان والعمل الصالح، ليجمعوا - إلى الإيمان المطلوب - هذه العبادات. فكأنه قيل: ولا تكتموا الحق - وهو نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - فأعلنوه وآمنوا به، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وصلوا مع المصلين من المسلمين، بعد إيمانكم، ولا تأمروا الناس بالبر على حين تهملون أنفسكم، وأول خصال البر والخير هو: الإيمان. واستعينوا بالصبر والصلاة على الأمر كله.
والخطاب - وإن كان موجهًا أصلًا لليهود - له صفة العموم في الحكم لجميع المسلمين أيضًا، وسيأتى ذلك في السورة نفسها في قوله سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153] .
{وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} وإن الصلاة لصعبة ثقيلة إلا على الخاشعين الخاضعين بقلوبهم لله، كما قال تعالى في وصف المنافقين: {وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا} [النساء: 142] .
أما الخاشعون الذين يرون الصلاة حقًا لله تعالى، وينتظرون حسن الجزاء عليها فإنهم يحبونها، ويسرون بها، كما قال - صلى الله عليه وسلم: (( وجعلت قرة عينى في الصلاة ) ).
والخشوع: سكون النفس، واطمئنان القلب، والتسليم لأحكام اللَّه، وأكثر ما يستعمل فيما يظهر على الجوارح، كما قال تعالى في وصف المؤمنين المفلحين: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 2] .
وأما الخشوع المتكلف - بالتباكى وطأطأة الرأس - فهو مذموم شرعًا، وهو من الرياء، يفعله الجهال، منتظرين من الناس الثناء والإجلال. ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه لشاب نكس رأسه: (( يا هذا ارفع رأسك، فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب ) ).