وأشد من ذلك وأنكى من يجهر بالدعاء لغير اللَّه، ويشد الرحال لقبر من القبور، أو ينذر نذرًا لقبر لا يملك نفعًا ولا ضرا، أو يدعو ما لا يملك حولًا ولا طولا، كما يفعل الصوفية من اتخاذ القبور مساجد مغالاة في حب الصالحين، وطمعًا في بركة أو شفاعة، ولكن البركة والشفاعة لا يملكها إلا اللَّه وحده، تعالى اللَّه عما يقولون علوًا كبيرا (لا يخفى على فطنة القارئ أن هذه الأعمال من باب الشرك باللَّه، واللَّه عز وجل يقول: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} ) .
إن المجاهرين بالمعاصى قد تمكن الشر من قلوبهم، وامتزج بلحومهم ودمائهم، وتعدوا حدود اللَّه، ومن يتعد حدود اللَّه فقد ظلم نفسه. وإذا كان الجزاء من جنس العمل: كان لا بد أن يتخلى اللَّه عنهم، ويتركهم لشياطينهم {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} {قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} لأن التوبة عندهم غير مأمولة، وقد لا يموتون وهم مسلمون، وذلك بأن يدركهم الموت وهم على غير حال الإسلام والعياذ باللَّه.
وبدلًا من أن يتخذوا ستر اللَّه عليهم، فيرجعوا إلى التوبة والندم: راحوا يقصون على أمثالهم من أهل الفسق والمجون ما فعلوه في ظلمة الليل البهيم، ويكشفون بأنفسهم ستر اللَّه الذى أسدله عليهم.
كما أن كثيرًا من شباب اليوم لا تجمعهم إلا رابطة الخلاعة والاستهتار، وأن معنى النبوغ عندهم هو التمكن من اصطياد الخليلة والعشيقة في الليل، والانحدار بها في مهاوى الرذيلة، حتى يقضى الليل في لعنة اللَّه وملائكته حتى يصبح، فإذا اجتمع بأقرانه نهارًا تحدث بما فعل، فخورًا بما اقترف من فسوق وعصيان.