أضفى اللَّه تعالى على بنى إسرائيل الآلاء (النعم) السابقة، وقابلوها بالعناد والكفر، حتى عبدوا العجل، ودعاهم إلى التوبة، وكف نفوسهم عن أهوائها وشهواتها، فلما تابوا قبل توبتهم {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 52] .
ومع كثرة البينات التى قدمها موسى بإذن من اللَّه تعالى، حتى كانت تسع آيات تعنتوا في الطلب، وحسبوا أن اللَّه تعالى كالحوادث له حيز، بحيث يمكن أن يروه جهرة في الدنيا، فقالوا: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} وكيف نؤمن بأن اللَّه قد كلمك، وليس عندنا دليل سوى روايتك؟ فغضب اللَّه تعالى عليهم بصلفهم وعنادهم، وأنزل عليهم عقابه، صاعقة (الصاعقة: نار من السماء، أو صيحة منها، ومن معانى الصاعقة: الموت، وكل عذاب مهلك) . أهلكتهم وأماتتهم (الموت في الآية {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} : مفارقة الروح الجسد بدليل ذكر البعث معه، وقال بعض العلماء: كان موتهم همودًا لا موتًا حقيقيًا، كما في قوله تعالى: {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} والمراد من البعث على هذا: إعادة النشاط والصحو لهم، وفي رأى ثالث: موتهم هو جهلهم الذى كانوا فيه، وبعثهم: تعليمهم أحكام التوراة، كما في قوله تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} جاهلًا فعلمناه) .
فالآية سيقت لبيان تعنتهم في طلب الآيات، وتأثرهم بما قاله سيدهم فرعون ملك مصر لهامان: {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا (الصرح البناء العالى) لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ (الأسباب: جمع سبب، وهو كل ما يتوصل به إلى شيء آخر كالحبل والسلم) - أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} [غافر: 36، 37] .