وفي هذا عبرة وتسلية لنبينا - صلى الله عليه وسلم - فيما لقيه من تعنت اليهود {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللَّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} [النساء: 153] .
والمعنى واذكروا أيها اليهود المعاصرون للنبي - صلى الله عليه وسلم - إذ قال أجدادكم لموسى عليه السلام: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} أى لا نسلم لك مصدقين مذعنين، راضين مطمئنين، {حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} أى حتى نراه مشاهدة وعيانا (فالجهرة صفة للرؤية، أى نرى اللَّه رؤية جهرة علانية) ، وأن المعنى كما روى عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما: وإذ قلتم جهرة وعلانية غير مبالين: يا موسى لن نؤمن من أجل قولك حتى نرى اللَّه (فالجهرة على هذا المعنى الثانى صفة لقولهم، لا لرؤيتهم) {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ} استولت عليكم، وأهلكتكم، لفرط عنادكم، وطلبكم المستحيل، {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} تنظرون إلى الصاعقة، وهى تصيبكم وتهلككم.
{ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} نعمته تعالى ببعثكم بعد الموت، وتشكرون جميع نعمه بعد ما كفرتموها، والمراد من شكرهم له تعالى ما يعم قيامهم بما كلفوا به، وتركهم لما نهوا عنه قبل موتهم بالصاعقة، فإن اللَّه بعد موتهم بعثهم ليشكروه تعالى بالعمل بما شرعه لهم قبل صعقهم حتى تغفر لهم جرائمهم، فلفظ الشكر يتناول جميع الطاعات: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} [سبأ: 13] .
وقد اشتملت الآيتان الكريمتان- أيضًا- على تحذير اليهود المعاصرين للعهد النبوى من محاربة الدعوة الإسلامية، حتى لا يصابوا بما أصيب به أسلافهم من الصواعق وغيرها.
النعمة الثامنة: نعمة تظليلهم- في الصحراء- بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم: