فإن اللَّه خلق الخلائق بقدرته وأظهر فيهم آثار مشيئته وحكمته ورحمته، وجعل المقصود الذي خلقوا له فيما أمرهم به هو عبادته وأصل ذلك هو معرفته ومحبته. (ص 21 - 24) .
ثم يشرح للملك الطريق إلى ذلك، فيبدأ بموقف البشرية من توحيد اللَّه من لدن آدم إلى مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، وجهاد الرسل ودعواتهم أثناء ذلك. فيقول: وذلك أن الناس كانوا بعد آدم عليه السلام، وقبل نوح صلى الله عليه وسلم، على التوحيد والإخلاص، كما كان عليه أبوهم آدم أبو البشر عليه السلام، حتى ابتدعوا الشرك وعبادة الأوثان بدعة من تلقاء نفوسهم لم ينزل اللَّه بها كتابًا، ولا أرسل بها رسولًا، بشبهات زينها الشيطان من جهة المقاييس الفاسدة والفلسفة الحائدة.
فابتعث اللَّه نبيه نوحًا عليه السلام يدعوهم إلى عبادة اللَّه وحده لا شريك له، وينهاهم عن عبادة ما سواه. وجاءت الرسل بعده تترى إلى أن عم الأرض دين الصابئة والمشركين حينما كان النماردة والفراعنة ملوك الأرض شرقًا وغربا، فبعث اللَّه تعالى إمام الحنفاء إبراهيم خليل الرحمن، فدعا الخلق من الشرك إلى الإخلاص ونهاهم عن عبادة الكواكب والأصنام.
وجعل اللَّه الأنبياء والمرسلين بعد ذلك من أهل بيته، وجعل لكل منهم خصائص، وآتى كلًا منهم من الآيات ما آمن على مثله البشر، فجعل لموسى العصا حية، وفلق له البحر. وبعث بعده أنبياء من بني إسرائيل، منهم من أحيا اللَّه على يده الموتى، ومنهم من شفى اللَّه على يده المرضى، ومنهم من أطلعه على ما شاء من غيبه، ومنهم من سخر له المخلوقات. وهذا مما اتفقت عليه جميع أهل الملل.
ثم بعث اللَّه المسيح بن مريم رسولًا قد خلت من قبله الرسل، وجعله وأمه آية للناس حيث خلقه من غير أب إظهارًا لكمال قدرته، وشمول كلمته.