وآتى عبده المسيح من الآيات البينات ما جرت به سنته، فأحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص، ودعا إلى اللَّه وإلى عبادته متبعًا سنة إخوانه المرسلين مصدقًا لمن قبله، ومبشرًا بمن يأتي بعده.
ثم اختلف أهل الكتاب فيما بينهم: جماعة تؤمن بمجئ النبي الخاتم بعد عيسى صلى الله عليه وسلم، وجماعة تنكره. جماعة تتمسك بالدين وبالذي جاء به عيسى وموسى ومن قبلهم، وأخرى تهمل. واشتدت حاجة الناس إلى من يخرجهم من هذا الاختلاف والتمزق، فهدى اللَّه الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فبعث النبي الذي بشر به المسيح ومن قبله من الأنبياء داعيًا إلى ملة إبراهيم، ودين المرسلين قبل إبراهيم وبعد إبراهيم، وهو عبادة اللَّه وحده لا شريك له، وإخلاص الدين كله لله، وطهر الأرض من عبادة الأوثان بعد ما كانت الأصنام تعبد في أرض الشام وغيرها في دولة بني إسرائيل ودولة الذين قالوا إنا نصارى، وأمر بالإيمان بجميع كتب اللَّه المنزلة كالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وبجميع أنبياء اللَّه من آدم إلى محمد (صلى الله عليه وسلم) .
وأمر اللَّه ذلك الرسول بدعوة الخلق إلى توحيده بالعدل فقال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} . آل عمران- 64.
وبعد أن يبسط ابن تيمية للملك محاسن الإسلام، ويبين له أن هذا هو الدين الذي بشر به الإنجيل، وأن المسيح عيسى بن مريم أوصى في آخر لحظات حياته باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وجه الدعوة مباشرة إلى الملك وقال له: