الإنسان الأسمى في هذه الحياة، وهو عبوديته لله سبحانه وتعالى، زد على ذلك أن هذه المحاورة بين شعيب عليه السلام وقومه أبلغ رد على زيف أولئك الذين يتهمون الأنبياء، زورًا وبهتانًا، بأنهم كانوا صنائع للمستبدين من رجال الحكم والمال يخدرون لهم الشعوب، وينيمونهم عن حقوقهم، والذين يقولون إن الدين أفيون الشعوب، فقول القرآن: أصلاتك تأمرك، معناه أدينك يأمرك، والناظر في هذا الجانب يدرك بوضوح جوهر العدالة والتقدمية في الرسالات السماوية، فقد كانت هذه من أسس دعوة شعيب عليه السلام، واستشهاد القرآن يدل على أنها كذلك من أسس دعوة الإسلام، التي هي دعوة كل الرسل، فالذي يواجه الطاغين بقوله: {وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} ليس هو الصنيعة المأجور الذي يخدر لهم الناس وينيمهم لهم عن حقوقهم.
انظر: الثروة في ظل الإسلام، للبهي الخولي، ص 151.
وهذه الفكرة التي تظاهر بها قوم شعيب عليه السلام إنما هي الروح الأصيلة في الرأسمالية، وقد حطم القرآن فكرة الرأسمالية هذه التي تنسب المال للإنسان، وبين أن المال مال الله في قوله: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ} ، ولكنه أردف قوله تعالى: {الَّذِي آتَاكُمْ} ، ليضرب على جذور الاشتراكية والشيوعية التي تنكر الملكية الفردية ولا تقر بها في أي حال.
فالإسلام يعترف بالملكية الفردية، ولكنه لا يطلقها حرة بعيدة عن القيود والحدود، ولا يرخي لها العنان الذي يسبب الفساد في الأرض، ولذلك نجد بإزاء ذلك ثلاثة أحكام متناسقة غير مضطربة:
أولًا: حين يريد التوجيه إلى البذل والإنفاق في سبيل الله يكون مدخله إلى مراده من باب ملكية الأزل، فيقول سبحانه مثلا: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} النور: 33.