ثم تأتي الآية بعد ذلك مبينة العامل الذي يجب أن يخضع المرأة للحجاب والتصون، فتقول: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} ، فمقتضى العلم والتعلم، وخاصة إذا كان التعلم يجمع بين علم الدين والدنيا، أن تكون المتلقية لهذا العلم هي من أكمل خلق الله خلقًا ومظهرًا، وأن تظهر في ملابسها وفي زيها بمظهر المؤمنة العاقلة الحكيمة، قد لاح عليها الكمال والرزانة والعقل، بما تلبس من زي يرد عنها عيون البغاة، ونظرات الفساق وضعفاء الإيمان، ذلك الزي الذي لا يظهر منها إلا وجهها وكفيها، أو ما هو أقل من ذلك.
فقد تعارفت النفوس المؤمنة، والفطر السليمة، أن كمال المرأة في عدم ظهور شيء من جسمها ولا شعرها أو ملابسها مما هو مثار فتنة أو إثارة نحوها.
المرأة الكاملة هي التي إذا ظهرت للناس ظهرت لهم كإنسان يعينهم على البر والتقوى، ويحفظ عليهم حياءهم وأخلاقهم ورزانتهم وجديتهم في الحياة، لا تلك التي تظهر لهم كشيطان قد حسرت شعرها، وأظهرته في خصلاته، أو شعيراته على هذا الشكل أو ذلك، وأصبح هذا الذي كان يجب أن يخفى لأنه مما يستقبح كشفه- أصبح غرضًا للناظرين وأصبح ابتذالًا، وسفورًا يجعل العاقل يعف عن النظر إليها ويشمئز من هذه البذاءة المتوقحة التي فرضت نفسها على الناس.
وقس على ذلك أجزاء جسمها التي أبرزتها مع شعرها وجعلتها قذى في عيون الناس.
فمال الناس وما يستقبح كشفه، وما لهم ما خلق للستر والصيانة ومداراته عن عيون الناس.
إن هذا تهجم ذميم على العرف وعلى الطباع وعلى التقاليد السليمة.
فالأصل في الإنسان الستر والتحشم لا العرى والبذاءة.
وأولى الناس أن يعرفن ذلك، هن المتعلمات والمثقفات اللاتي فرض فيهن، أن يكن قد ارتقين مدارك وأفهامًا، وأصبحن أكثر إدراكًا لما يليق وما لا يليق.