ومما يزيد الأمر وضوحًا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يؤمم مال أحد، ولا يعادل في الأموال بين الأغنياء والفقراء في حالة الرخاء، فقد كان في الصفة في مسجده الشريف فقراء لا يجدون القوت إلا من صدقات الناس عليهم، وفي المدينة كثير من الأغنياء، وما رأيناه صلى الله عليه وسلم أمم لهم مال أحد أغنياء المدينة، ولا عادل بينهم وبين الأغنياء في أموال، وهم أحوج ما يكون إلى ذلك، .. وأيضًا عندما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم تجهيز جيش العسرة في غزوة تبوك رأيناه يحث الأغنياء ويرغبهم على تجهيزه بما يستطيعون وكيفما يستطيعون، وتباروا يستبقون للتجهيز بما يقدرون عليه. فاختلفت مساعدتهم بحسب اقتدارهم المادي ورغباتهم الجامحة في الخير .. فلو كان المال ملكًا للأمة ولم يكن ملكًا لملاكه الذين اكتسبوه بطرق الكسب المعروفة في التشريع الإسلامي لانتزعه صلى الله عليه وسلم من أيدي الأغنياء وجهز به الجيش الغازي في أحرج ظروف عرفتها تلك الغزوة، ولم يكن صلى الله عليه وسلم في حاجة إلى ترغيبهم وحثهم على المساعدة في التجهيز.
كما رأيناه صلى الله عليه وسلم في غنائم هوازن التي قسمها بين الغانمين ثم عاد إليه أهلها مسلمين.
وقد حاز كل غانم نصيبه ونال حصته من الغنم بالقسمة .. نجد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقد قام خطيبًا في الغانمين وقال لهم:"أما بعد: فإن إخوانكم هؤلاء قد جاءوا تائبين وإني قد رأيت أن أرد عليهم سبيهم، فمن أحب أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول مال يفئ اللَّه علينا. فقال الناس. قد طبنا ذلك يا رسول اللَّه. فقال لهم: إنا لا ندري من أذن منكم ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم"فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم عادوا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يخبرونه أنهم طيبوا وأذنوا.