فهرس الكتاب

الصفحة 306 من 18318

إن الصياح الطائش الذي يفتعله بعض السامعين يستخف للأسف هؤلاء القراء فتراهم ينسون الكتاب، ومنزلة، وما ينبغي له من إجلال وتوقير، ويحولون الآي إلى نغم معجب للجهال يزيدهم ولها على وله!!

ثم ينفض الحفل الماجن دون أن ينشرح بذكر اللَّه صدر أو تدمع لخشيته عين، أو تنعقد على طاعته إرادة، ويئوب القارئ والسامعون إلى بيوتهم وهم يخوضون في غضب الله خوضًا!!

إن ما يطلب من الناس ليس شيئًا صعب التصور أو عسر المنال، مطلوب من الإنسان العاقل أن يعي ما يقول، وأن يعنيه، وأن يفقه ما يسمع ويستوعبه، فهل هذا تكليف بما يبهظ الهمم؟

مطلوب من المصلي إذا وقف بين يدي الله أن يعرف من يناجي، فإذا قال: الله أكبر، كان شعوره أنه حضرة الكبير المتعال عاصمًا له من الالتفات إلى غيره، ومحرمًا عليه الاشتغال بأمر دونه، وهذا سر تسمية افتتاح الصلاة بتكبيرة الإحرام.

مطلوب من التالي للوحي أن يفك إغلاق قبله فإذا نودي سمع، وإذ بصر رأى، وإذا استثير نشط، وقد جاء في وصف عباد الرحمن: {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صمًا وعميانًا} .

العلاقة بالله - على الحقيقة لا على التجوز - تطلب البعد عن آفتين: التوهم أو الخيال، والتمثيل أو التصنع.

الآفة الأولى تجعل المرء يرسل القول على عواهنه، وقد تخدعه نفسه فيخال الأمنية البعيدة حقيقة ماثلة، أو يخال الأمل السامي غاية سهلة.

وقوانين الإيمان لا تدع المؤمنين طويلًا بإزاء هذه الأوهام، بل تربيهم بالأحداث تلو الأحداث حتى ينكشف معدن النفس، فإما ثبت الإنسان عندما يقول وتحمل تبعاته كاملة، وإما انهزم وبدا عواره، وفي ذلك يقول جل شأنه: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ. وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت