فهرس الكتاب

الصفحة 307 من 18318

والأمل في الاستشهاد قبل مواجهة العدو شيء عظيم، وأعظم منه وأدل على صدقه ألا يتبخر الحماس عند اللقاء، ويتغلب حب الحياة وإيثار السلامة.

إن الله تبارك واسمه يبغض أصحاب المزاعم العريضة، فإذا دقت ساعة الجد وجدت الثرثارين خرسًا: {لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} .

وأما الآفة الأخرى التي تبعد ذويها عن جوهر الدين فهي أخذ العبادات من مراسمها البادية، وبذل الجهد في إتقان الظاهر وحده.

ولو عقلنا لأدركنا أن القليل مع صحو الضمائر أفضل من كثير لا روح فيه، تأمل في حديث إبراهيم الخليل عن ربه، إنه حديث ليس فيه كشف لمجهول، ولا تصوير لمعنى مبتدع، إنه يتناول أقرب المحسوسات إلينا: {الذي خلقني فهو يهدين. والذي يطعمني ويسقين. وإذا مرضت فهو يشفين} .

إن الرجل العامي يجد هذا الكلام قريبًا من حسه، ولكن حقائق هذا الكلام هي التي فاتت العباقرة فزاغوا.

ليس الأمر تزويق عبارات بليغة، ولا شرح فلسفات عويصة، الأمر لا يتطلب أكثر من أن يقرأ المسلم فاتحة الكتاب، فيعني كل كلمة ينطق بها، ويكون قلبه مرآة نقية لما احتوت من حمد لله، وثناء عليه، وتعاهد معه، وتطلع إلى هداه ونعمته.

هذه هي الحقيقة التي تحدث عنها علماء التصوف ورجال التربية.

لا دلالة لهذه الكلمة غير ما قلنا، أن يعتزم المسلم بشريعته بمنى ومعنى، أن ينفعل بتعاليمها ليًا وقلبًا وجسدًا، أن يرقى إلى مستواها فكرًا وعاطفة وسلوكًا.

لا تعريف للحقيقة غير ما أوضحنا في الكلمات الآنفة أن يتطابق الفؤاد مع اللسان عند ذكر الله، وأن تتعانق الروح والجسد عند الانقياد لأمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت