طلب بنو إسرائيل من موسى أن يأتيهم بكتاب من عند اللَّه، فلما جاءهم بالتوراة ليهتدوا بها، ورأوا ما فيها من تكاليف- عز عليهم أن يقوموا بها، ورفضوها، وأبوا قبولها، فأمر اللَّه جبريل بقلع الطور، ورفعه فوقهم كأنه ظلة (الظلة في الأصل: كل ما أظلك من سقف أو غمامة، أو نحوها) ، حتى قبلوا، لأنهم ظنوا أنه واقع بهم. وقد أمرهم اللَّه أن يأخذوا الكتاب بقوة، وأن يعملوا بما فيه بجد واجتهاد، وقد فسر ابن عباس رضي اللَّهُ تعالى عنهما قوله تعالى: {خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} بقوله:"أي قلنا لهم: خذوا ما آتيناكم بجد واجتهاد مع حسن النية والإخلاص".
وإيمان بنى إسرائيل، وعملهم بالتوراة لم يكن بالإلجاء والإكراه، فهذا مما ينافي التكليف الذي يقوم على الاختيار، ويكون العقيدة الصحيحة المبنية على الاقتناع، كما قال تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (من الآية 256 من سورة البقرة) وإنما أمروا بالإيمان عن اختيار، فلما لم يمتثلوا كانت آيات التخويف لهم بمنزلة مشروعية القتال للكفار، لا لإصلاح حالهم مع اللَّه تعالى، فإن الحكمة تدعو إلى الأخذ بالقوة إذا فشل النصح والإرشاد، ولهذا ينبغي أن يؤدب الوالد بالقوة ابنه المعوج في السلوك، إذا لم يجده تكرار النصح، حتى لا يستمر فساده.
وقد أمرهم اللَّه عز وجل بعد أخذ الكتاب بقوة أن يذكروا ما فيه ليكونوا من المتقين: {وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي ادرسوا ما فيه، وداوموا على تذكره، حتى يرسخ في قلوبكم، فإنكم إن فعلتم ذلك قويت صلتكم بربكم، وكنتم من المتقين.
وفي الآية دليل على أن مجرد العلم غير كاف، بل لا بد من الدراسة والمتابعة.