إن الحقيقة الاقتصادية ليست من عالم ما وراء الطبيعة. إنها من هذا العالم الذي نعيش فيه. ويجب أن نكون على بينة من أنها تفر من المجتمع الإنساني كلما حاول التقرب منها .. على حين أن المعادلات الرياضية والقوانين الطبيعية وخصائص الأشياء تزداد تحديدًا واقترابًا من العقل البشري ومن اليد الماهرة ولذلك خيل للإنسان في زمننا هذا أنه ساد الأرض واقترب من سيادة الفضاء. أما الحقيقة الاقتصادية التي فنيت في سبيلها الأعمار خلال بضعة أجيال مضت. فلا يزال وصفها يتعثر على الشفاه.
نقول بأنها تحقيق لرفاهة الكثرة الغالبة من الناس بأقل التضحيات، وبأنها التوازن الإنساني الذي لا يلتزم بميزان تجاري أو حسابي أو ميزان للمدفوعات. ونقول بأنها الثمن العادل والأجر الذي يحفظ على الأجير كرامته كإنسان. وهي كفالة فرص العمل لكل قادر عليه راغب فيه. وهي رعاية المجتمع للأسرة إن هلك عائلها، لأنه في حياته قد أسهم في تشييد البناء وتعبيد الطريق، أو أسهم في زيادة العمران بما أنتج من خدمة أو سلعة. وهي توفير الأمن على المال والعرض والولد وعلى جملة الحريات التي يستوي فيها كل العباد.
ولكن هل يستطيع الإنسان أن ينصف غيره من الناس!؟
هذا هو السؤال الذي تصدى له الباحثون أو نقول: هي هذه التجربة التي مرت بها الإنسانية مائتي عام وفاضت المكتبات بالملايين من الصفحات في صور شتى من مقالات ومحاضرات وإحصاءات يجمعها الهواة. وبرامج لجماعة من المصلحين والساسة ودعاة الفتح وغصب موارد الآخرين. والخطب الانتخابية وبرامج الأحزاب وسياسات الدول. وأخيرًا المراجع العلمية ومناهج البحث في الجامعات!!