أما وقد هدانا اللَّه، بأنبيائنا ورسلنا السابقين وختم تلك الهداية بتلك الحلقة الخاتمة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، فلا داعي لنا أن نسلك مسالك هؤلاء الذين لم يهدهم الله بما هدانا به.
ومن سلك من علمائنا السابقين أو الفلاسفة المسلمين هذه المسالك، فقد ندموا في نهاية حياتهم على ما فرط منهم.
فهذا ابن الفارض يقول في آخر حياته مبطلًا ما أثر عنه في الحب الإلهي، أو العشق الإلهي الذي سلك فيه مسلك (أفلوطين) الشيخ أو الفيلسوف اليوناني السكندري، وأتى بما أتى به هذا الأخير من وثنيات، يقول ابن الفارض نادمًا على ذلك مبطلًا له:
إن كان منزلتي في الحب عندكم
ما قد ظفرت فقد ضيعت أيامي
ويقول الإمام الغزالي مثل هذا القول في نهاية حياته ندمًا على ما وقع منه في المنقذ من الضلال والإحياء وغيرهما من عقائد صوفية، ويعلل ذلك بأنه إنما وقع فيما وقع فيه من التصوف لأنه كان مزجى البضاعة في الحديث، ثم عكف في آخر أيامه على قراءة البخاري ومسلم، وكذلك فعل ابن سينا وغيرهم كثيرون.
فهذه تجارب وقعت من هؤلاء عن حسن نية، لأنهم ظنوا أن في هذه الفلسفة اليونانية أو التصوف اليوناني، شفاء لما يعتمل في نفوسهم من مشكلات عقائدية أو فكرية دينية، وكانوا قد قرأوا هذه الفلسفات قبل أن يتعمقوا ويستفيضوا في دراسة القرآن الكريم والسنة النبوية، فنسوا أنفسهم مع هذه الفلسفات لغلبة الجانب النفسي والخيالي فيها على الجانب العقلي المنطقي، وأتوا يفسرون بها كثيرًا من مشكلاتهم، ثم يفسرون بها كثيرًا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي فصلت في هذه المشكلات نفسها، ولكن بالفصل العملي المعقول الذي يقرب الإنسان من الكون، ولا يبعده عنه، ويعرفه عليه ولا يجافي بينه وبينه، ثم عن هذا التعريف على الكون وعلى النفس يعرفه على الله الذي خلقه ورزقه وأحياه وأماته. إلخ.