فمن ذلك أن الذلة مضروبة عليهم، بمعنى أنها سكنهم تلازمهم ويلازمونها، وتغطيهم وتحيط بهم، ويشهد لذلك الأسلوب العربي الذي يقول:"ضرب الرجل خيمته على امرأته"أي جعلها سكنها وغطاءها لا تبرمها، فإذا خرجت منها لعارض فإلى عودة سريعة، ثم بمعنى أنها طابعهم المميز بين الأمم، تلازمهم ملازمة الطابع للمطبوع، ويشهد لهذا المعنى قول العرب: ضربت النقود أو وضعت عليها نقاشها وشاراتها المميزة لها والمحدودة لقيمتها، وكما يعاد ضرب النقود على وجهها إذا زالت عنها نقوشها المميزة، بإدخالها في النار وصهرها، فكذلك شأن الإسرائيليين، إذا زالت عنهم الذلة لعارض، أعيد ضربها عليهم من جديد، بصورة أوضح وأعمق.
ومن ذلك أن السر القرآني في إطلاق ضرب الذلة عليهم في الآية الأولى بدون استثناء، بناء على ما هو شأنهم وطبعهم، واستثناء حالة حبل الله وحبل الناس في الآية الثانية، يشير إلى أن ارتفاع الذلة عنهم حالة وقتية محدودة، لا تلبث أن تزول بزوال أسبابها، ولا تعد شيئًا مذكورًا بالنسبة لحالتهم الأصلية والمستمرة في جميع الأزمان.
ونوضح اختلاف التعبيرين في الآيتين الكريمتين إطلاقًا في الأولى وتقييدًا في الثانية بهذا المثال:
فلان من الناس عرف بالجبن طول حياته، لم يخرج عن طبيعيته إلا مرة بسبب تأييد رجل قوي له، نصفه بالجبن دون استثناء ونحن صادقون، لأن هذا شأنه وشميته، دون الثفات إلى الشجاعة العارضة غير الذاتية، ونصفه أحيانًا بالجبن مع استثناء تلك الحالة، وبيان سببها الخارجي.
ومن ذلك أن المسكنة وهي الضعف النفسي الذي قد يحاولون إخفاءه، كما يفعل الجبان أحيانًا، والحاجة إلى الغير، مضروبة عليهم في الآيتين بدون استثناء، وكذلك الغضب الإلهي.
ومن ذلك أن وعد الله سبحانه بأن يبعث عليهم من يسومهم سوء العذاب قائم إلى يوم القيامة.