وفي وصف قلوبهم بهذه القسوة الثابتة المستمرة توطئة وتمهيد لتغيير الأسلوب فيهم، وترك خطابهم، فإن من يبلغ قلبه هذا الحد من القسوة يصبح استمرار الخطاب معه بعيدًا عن الحكمة، ويصير جديرًا بصرف الخطاب عنه إلى غيره ممن له قلب سليم. وهكذا انتقل الكلام من الحديث معهم إلىالحديث عنهم، ومن خطاب اليهود إلى خطاب المسلمين: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ} .
وهذا الانتقال هو ما يسميه علماء البلاغة (الإلتفات) وقد مر بك عند تفسير قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} الآية 4 من سورة الفاتحة، وفي تفسير قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} من الآية 28 من سورة البقرة (ارجع إلى ص 5 من العدد 3 المجلد السادس من المجلة، عدد شهر ربيع الأول 1398 هـ) .
2 - {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ} هذه الجملة تفصل بين تاريخين لليهود: تاريخ أسلافهم الماضي القديم الذي تحدثت عنه الآيات إلى آية (74) كما رأينا، وتاريخهم الحديث: تاريخ المعاصرين منهم للبعثة النبوية، ابتداء من هذه الآية (آية 75) كما سنرى إن شاء اللَّه.
وهي جملة طريفة، فريدة في أسلوبها، تختلف عما قبلها، وعما بعدها، فهي جملة استفهامية، أما ما قبلها وما بعدها فسرد إخباري لمساوئ اليهود في تاريخهم القديم والحديث.