أما المرحلة الخامسة: فهي صدور الطلاق من الرجل والتلبس به ... والإسلام لا يقر فسخ الحياة الزوجية بمجرد صدور الطلاق من الرجل، ولكنه يعطيه الفرصة لمراجعة نفسه في المرة الأولى، فربما يندم على موقفه، لأنه تسرع في اتخاذ هذا القرار، وهو ما يسمى بالطلاق"الرجعي"... وديننا يأخذ بيد الرجل في هذا الموقف، ولا يدعه يتحسر أو يندم على قرار اتخذه ... فيصبح من حق الرجل أن يلغي قراره، وأن يرجع زوجته إلى عصمته. وفي ذلك يقول الله: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا} ... ونظرًا لأن هذه هي الطلقة الأولى في حياته، فإن قيود الرجعة تكاد تكون منعدمة في هذا الموقف. لكن هذه القيود وهذه العقوبات تزيد إذا أراد الزوج اتخاذ قرار ثان بالطلاق. وفي هذه المرة فإن درجة التسامح معه تكاد تكون قليلة، لأنه منح في المرة الأولى ولم يبال بهذا المنح. ويكون ذلك بمثابة"انذار"وتحذير بأنه ليس له إلا هذه الفرصة وأن عليه ألا يتجاوزها حتى لا يهدم حياته الزوجية، وهو ما يسمى في العرف الفقهي"بالبينونة الصغرى".
أما إذا صدر الطلاق من الرجل للمرة الثالثة فمعنى ذلك أن كل الفرص التي أتاحها الشارع لهذا الزوج قد استنفدت، وأن الغاية التي من أجلها كان الزواج- وهو الاستقرار والسكن- قد أهدرت، وأن كل القيود والعقوبات التي فرضت لم تجد بشيء، حين ذاك يرى الشارع الحكيم، أن مثل هذا الزواج لا يمكن أن يستمر .. فتصبح زوجته مطلقة منه، وهذا الطلاق يزيل قيد الزوجية، ولا تحل له مراجعتها حتى تنكح زوجًا غيره نكاحًا صحيحًا، ويدخل بها بقصد الزواج لا بقصد التحليل الذي يحرمه الله. وفي ذلك يقول القرآن: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} ، وهذا ما يسمى في عرف الفقهاء"بالبينونة الكبرى".