ومن صفات هذه البقرة كذلك أنها"مسلمة"من العيوب،"لا شية فيها"ليس فيها لون يخالف لون جلدها من بياض أو سواد أو غيرها، بل هي صفراء كلها.
فماذا كان موقف هؤلاء السائلين؟
{قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} : جئتنا بحقيقة وصف البقرة، فقد ميزتها عن جميع ما عداها: من جهة السن، واللون، وكونها من السوائم (2) لا العوامل (3) ، ولا وجه لنا في طلب الإيضاح بعد ذلك."فذبحوها": فجاءوا بالبقرة الموصوفة، فذبحوها.
"وما كادوا يفعلون": وما قاربوا أن يفعلوا الذبح، ونفي مقاربة الفعل أبلغ من نفي الفعل نفسه، كما في قوله تعالى: {لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} (4) ، وكما جاء في النهي عن الزنا، وأكل مال اليتيم: {ولا تقربوا الزنى} (5) ، {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (6) ، فالمقصود هنا- والله أعلم- المبالغة في تباطئهم، وتعمدهم إطالة الزمن، بكثرة المراجعات في وصف البقرة.
ولعل إكثارهم من المراجعات في أوصافها، رجاء الوصول إلى تعيين وصف يتعذر وجوده في أبقارهم، فيعفون من ذبح البقرة التي ستكشف لهم الجاني، سترًا لفضيحته، وتجنبًا لقتله، أو لأنهم لا يريدون ذبح البقر الذي يعبدون، أو لأن طبيعتهم اللجاجة والتعنت، إلى آخر ما مر بك تفصيلًا في الهامش.
{وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} .
والمعنى: واذكروا يا بني إسرائيل إذ قتلتم نفسًا فادارأتم وتدافعتم في شأنها، فكان كل منكم يدفع التهمة عن نفسه، حتى لا يقتل في المقتول.
وأسند الفعل"قتلتم"إليهم جميعًا، لأن المسئولية في القتل مشتركة بين الجميع، حتى يعرف القاتل.