كما أسند القتل- أيضًا- إلى اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم، لأنهم من سلالات هؤلاء القتلة- وكثيرًا ما يستعمل القرآن الكريم هذا الاسلوب كما عرفت فيما سبق للتنبيه على أن الخلف قد سار على طريقة السلف في الانحراف والضلال.
وهذه الجناية الآثمة هي السبب في الأمر بذبح البقرة، لتكون وسيلة لمعرفة شخص القاتل، ومعجزة لموسى عليه السلام.
وكان من حق السبب وهو القتل أن يقدم على المسبب، وهو الأمر بذبح البقرة، وأن يقال- مثلًا: وإذ قتلتم نفسًا فادارأتم فيها، فقلنا اذبحوا بقرة، واضربوه ببعضها .. أو قول نحو ذلك، فما للقصة لم تقص على ترتيبها؟
والجواب: أنه قدم قصة الذبح أولًا، لأمور اقتضتها بلاغة القرآن:
الأول: تصوير مخالفتهم، وما تعودوه من عنت ومعارضة لنبيهم موسى، ليسجل عليهم حرصهم على العناد، ولو كان فيما أمر به مصلحة لهم، وقصة الذبح ظاهرة في ذلك.
والثاني: أن تقديم قصة الذبح يهيئ النفوس لاستطلاع السبب، فيكون ذكر السبب- بعد ذلك- أوقع في النفس، فتتقبلها بشغف واهتمام.
الثالث: في قصص بني إسرائيل تعديد لما وجد منهم من الجنايات وتقريع لهم عليها، وهاتان قصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع، وإن كانتا متصلتين متحدتين، فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك، والأخرى للتقريع على قتل النفس المحرمة، فلو قدم قصة القتل على الأمر بذبح البقرة لكانت قصة واحدة، ولذهب الغرض من تثنية التقريع.
"والله مخرج ما كنتم تكتمون": مظهر ما كنتم تكتمونه من إخفاء شخص القاتل.
"فقلنا اضربوه ببعضها": اضربوا القتيل بجزء منها، فضربوه بجزء منها، فأحياه اللَّه تعالى، ونطق باسم القاتل، ثم مات بعد أن أخبر به.
"كذلك يحيي الله الموتى": مثل ذلك الإحياء الذي رأيتموه يحيي الله تعالى الموتى، ويبعثهم من قبورهم للحساب والجزاء.