"ويريكم آياته لعلكم تعقلون": لكي تعقلوا وتؤمنوا بالبعث بعد الموت، فإن من قدر على إحياء هذا القتيل قدر على إحياء غيره.
سأل رجل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ فقال عليه الصلاة والسلام، أما مررت بوادي قومك ممحلًا؟ قال: بلى، قال: ثم مررت به يهتز خضرًا؟ قال: بلى، قال: فكذلك يحيي الله الموتى.
{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} .
ثم قست قلوبكم من بعد إحياء القتيل، ومن بعد هذه الآيات: مسخ القردة والخنازير، ورفع الجبل، وانفجار العيون من الحجر ... إلخ، وما كان يتوقع منكم ذلك بعد ما تقدم من آيات تلين القلوب وترققها، و (ثم) لاستبعاد قسوة قلوبهم بعد العظات السابقة الموجبة لرقتها، ونظير ذلك قوله تعالى في الآية الأولى من سورة الأنعام: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ} .
والحجارة التي يقيس قلوبهم إليها، فإذا قلوبهم منها أجدب وأقسى، هي حجارة لهم بها سابق عهد، فقد رأوا الحجر تنفجر منه اثنتا عشرة عينًا، ورأوا الجبل يندك حين تجلى له ربه وخر موسى صعقًا، ولكن قلوبهم لا تلين ولا ترق، ولا تخشى الله وتتقيه، فهي قاسية مجدبة كافرة، ومن ثم يجيء هذا التهديد،"وما الله بغافل عما تعملون"يمهلكم ولا يهملكم، ومن لم تنفعه صنوف النعم، يعاقبه اللَّه بضروب النقم.