فهرس الكتاب

الصفحة 3395 من 18318

وهذه الأحاديث- وغيرها في معناها كثير- تدل على أن"وجوب إنكار المنكر"إنما يكون بحسب القدرة عليه، وأما إنكاره بالقلب فلا بد منه، فإن لم ينكر القلب كان ذلك دليلًا على ذهاب الإيمان منه.

فقد روى عن أبي جحيفة قال: قال علي رضي الله عنه: (إن أول ما تغلبون عليه من الجهاد، جهاد بأيديكم، ثم الجهاد بألسنتكم، ثم الجهاد بقلوبكم، فمن لم يعرف قلبه المعروف، وينكر قلبه المنكر، نكس فجعل أعلاه أسفله) .

وسمع ابن مسعود رضي الله عنه رجلًا يقول: (هلك من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر) . فقال ابن مسعود: (هلك من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر. إلى أن معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرض لا يسقط عن أحد، فمن لم يعرفه هلك. وأما الإنكار باليد واللسان فإنما يجب بحسب الطاقة.

وابن مسعود رضي الله عنه هو الذي قال: (يوشك من عاش منكم أن يرى منكرًا لا يستطيع له غير أن يعلم الله من قلبه، أنه له كاره) .

وفي سنن أبي داود عن العرس بن عميرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا عملت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها) .

فمن شهد الخطيئة فكرهها بقلبه كان كمن لم يشهدها إذا عجز عن إنكارها بيده ولسانه. ومن غاب عنها فرضيها، كان كمن شهدها وقدر على إنكارها ولم ينكرها.

لأن الرضا بالخطايا من أقبح المحرمات، وهو مناقض للإنكار بالقلب.

وأما الإنكار باليد واللسان فيكون بحسب القدرة- كما أسلفنا- لما أخرجه أبو داود من حديث أبي بكر رضي اللَّه عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا فلا يغيروا إلا يوشك الله أن يعمهم بعقابه) .

ولما خرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبة: (ألا لا يمنعهن رجلًا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه) . وبكى أبو سعيد، وقال: قد- والله- رأينا أشياء فهبنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت