ثم إن هذا الماء المنزل من السماء نقيًا صافيًا، حين يخالط الأرض، ويجري متدفقًا بين سهولها ووديانها، يدفع في تياره ما يلقاه على طريقه، من حطب وعشب ونحوهما، فيحدث من احتكاك الماء بهذا الغثاء زبد يعلو سطح الماء، وهو تلك الفقاعات الهوائية، التي لا تلبث حتى تتلاشى، ويبقى ما ينفع الناس من ماء، وقد ضرب الله تعالى لذلك مثلًا فقال سبحانه: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ} أي: أنه حين يوقد بالنار على المعادن لصنع حلي منها، كالذهب والفضة، أو لصنع آنية من حديد أو نحاس، ونحو هذا، عندئذ تتحول تلك المعادن بفعل النار إلى سائل أشبه بالماء، ويعلو هذا السائل زبد، هو ما كان قد خالط تلك المعادن من مواد غريبة، فيلقى بها بعيدًا، بعد أن خلصت تلك المعادن منها.
ونرى من هذا، أن الماء لم يتخلص من الشوائب العالقة به إلا بعد جريان هذا الماء جريانًا قويًا متدفقًا .. حتى تخلص من تلك الشوائب، ولو ظل راكدًا لغطت تلك الشوائب وجهه، ثم لأفسدت طبيعته، وجعلته موطنًا للجراثيم والحشرات .. كما نرى أن المعادن حين تعرضت للنار التي صهرتها، حتى تحولت إلى سوائل، قد تخلصت من الشوائب التي خالطتها، وأنها لو لم تسلط عليها تلك النار الشديدة الإحراق، لما كان لها سبيل إلى الخلاص من هذه الأجسام الغريبة التي امترجت بها ..
ومعنى هذا، أن الحق الذي هو محمل الخير، والحياة الطيبة للناس، إذا لم يكن له من الناس من يحرسه ويدفع عنه شوائب الباطل التي تتدسس إليه- فإن وجه الحق يختفي عن الناس، ثم لا يكون لهم إلا الباطل يمسكون به، ويستقون من موارده المحملة بالسموم القاتلة.
وإنه لا بد للحق من جند يحرسونه، ويحمون موارده من أن يأخذ الباطل السبيل إليها، ويقطع الناس عن الوصول إليها ..