وفي ذلك منع الكهان أيضا ومدعي الغيبيات، من أن يأتوا بمثل ما أتى للرسول صلى الله عليه وسلم، ولذلك لم نجد عندهم على الإطلاق شيئًا مما أتى به الرسول، ولم يدعوا أن عندهم شيئًا من ذلك ولم يجرؤ أحد منهم على هذا الادعاء لأنهم لو ادعوا لطولبوا بتقديمه، وقد طولبوا بالفعل بالإتيان بمثل القرآن الكريم، أو بمثل سورة أو آية منه، دون أن يدعوا أن عندهم شيء من ذلك، فعجزوا وقال فيهم القرآن الكريم مسمعًا لهم ذلك ومخاطبًا لهم: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} البقرة: 23 وقائلًا: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} الإسراء: 88. وهذه هي عادة متبعة عند بعثة رسول من الرسل، تحفظ السماء من الشياطين وتبعد الشياطين عن أن تسترق شيئًا، وهذا من جانب إجلال لأمر اتصال السماء بالأرض، وتنزل وحي اللَّه على أنبيائه، ومن جانب آخر إرهاص عظيم وبشارة طيبة، وتعظيم لأمر هذا الاتصال ولشأن الرسول المبعوث.
ولذلك لما حصل هذا مع بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، هال الجن هذا الأمر العظيم، وبهتوا وأثر فيهم بشدة، فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا نبحث، وننظر ما هذا الأمر. وظلوا يتقلبون في الكون وفي الجزيرة العربية حتى أتوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهو قائم يقرأ في جوف الليل، فاستمعوا لقراءته، وعرفوا أنه هو النبي المبعوث، وأن هذا هو سر حفظ السماء منهم، فزال عنهم هذا الاستغراب المتقدم والذي أشارت إليه آيات سورة الجن.