والاستدلال بآية الميثاق بعد ذلك على أنه كان لنا وجود سبق خاطبنا الله فيه حينما كنا ذرات، أو في عالم الذر، وعلى هذا فيعتبر لنا وجود سابق، لا تسمح به الآيات المتقدمة، ولا الحديث الشريف، وأن فهم الآية يجب أن تراعى فيه هذه الأصول، والحقائق الدينية والعقدية التي يحتويها القرآن الكريم والحديث الشريف على ما تقدم، وكذلك الأصول البلاغية والذوق البلاغي العام في اللغة العربية. فالذي نفهمه من الآية: (( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِيءَادَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ*أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَءَابَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ) )؟! [الأعراف: (172 - 173) ] الذي نفهمه أنهم لم يكن لهم وجود حين خُوطبوا بذلك، أو اتجهت إليهم إرادة الله بذلك، وإنما المراد منها أن الله فطر الناس جميعًا على توحيده، فهم يوحدون الله بفطرتهم بعد ولادتهم، لما قام فيهم من توحيد الفطرة التي خلقهم الله عليها ولما قام لهم من الشواهد والدلائل على وحدانيته، كما قال: (( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) ) [الروم: 30] فهي تشير إلى توحيد الفطرة لا إلى ما قاله البعض من أنها دليل على وجود النفوس قبل الأبدان وأنها كانت حية عالمة ناطقة، ولذلك خاطبها الله وأجابت خطابه.