الحرم وقتل الحيوان أو الطائر
وإذا كان الله عز وجل قد جعل الأمن في بيته الحرام، فإنه سبحانه لم يجعله للبشر وحدهم، بل جعله كذلك للحيوان والطير، بل وللزرع كذلك. فقد حرم الإسلام الصيد واقتلاع الزرع في البلد الحرام. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري (( إن هذا البلد حرام، لا يعضد شوكه، ولا يختلى خلاه(1) ، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا لمعرف ))فليس الحرام بالنسبة للصيد اصطياده فقط، وإنما حرم تنفيره، أي إزعاجه عن موضعه.
وقد روى الشافعي عن عطاء أن غلامًا من قريش قتل حمامة من حمام مكة، فأمر ابن عباس أن يفدي عنه بشاة. وقد رُويَّ مثل هذا عن جماعة من الصحابة منهم عمر وعثمان وعلي وابن عمر وعن جماعة من التابعين منهم عاصم بن عمر وسعيد بن المسيب.
فإذا كان الصيد الحلال للحيوان والطير حرمه الله في مكة، فما بال الذي يصطاد بسلاحه الآدميين وهم في بيت الله الحرام؟ هل هذا يكون مسلمًا؟
مضاعفة السيئات في الحرم
وإذا كان الله عز وجل لا يحاسب الإنسان على السيئة التي ينوي فعلها إلا إذا فعلها، فإن الأمر في مكة غير ذلك. فلعظم حرمة المكان توعد الله تعالى على نية السيئة فيه، فمن نوى سيئة ولم يعملها لم يحاسب عليها إلا في مكة، وهذا ما قاله ابن مسعود وجماعة من الصحابة في تفسير قوله تعالى (( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) ) [الحج: 25] .
وقد فُسر الإلحاد في هذه الآية بجميع المعاصي من الكفر إلى الصغائر.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص (( المعاصي تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنات، فتكون المعصية معصيتين، إحداهما بنفس المخالفة، والثانية بإسقاط حرمة البلد الحرام ) ).
وعن الضحاك وابن زيد أن هذه الآية الكريمة تدل على أن الإنسان يعاقب على ما ينويه من المعاصي بمكة وإن لم يعمله.
وسئل الإمام أحمد: هل تكتب السيئة أكثر من واحدة؟ فقال: لا إلا بمكة، لتعظيم البلد.