أما قوله (( إن الرسول يتنزل عليه الوحي فيسفر عن إرادة الله ويجلي للناس ما غُمض عليهم فهمه أو التبس عليهم تقديره ) )فمعنى ذلك أن ما غُمض على الناس، أو التبس عليهم، فلن يحله إلا نبي أو رسول. وما دام لم يوجد رسول أو نبي فإن الحلول الإلهية مستحيلة، وربما يكون ذلك صحيحًا إذا كانت رسالة النبي قد توقفت بموته ولم يترك وحي الله في كتاب وسنة .. ولكن ذلك يبطل إذا علمنا أن رسول الله نزل عليه كتاب من عند ربه وسنة هادية مرشدة يكون الإنسان بمتابعتها محكومًا بحكم الله .. ولذلك نرى - كما قيل - أن آخر آية نزلت على رسول الله هي (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) ) [المائدة: 3] .. فالخطاب في هذه الآية للمسلمين في كل زمان ومكان وهو أن الله أكمل الدين وأتم النعمة، إيذانًا بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم لو مات فإن دين الله قائم كامل تام .. وهذا الكمال وهذا التمام إنما هو من أجل الأمة الإسلامية التي ستأخذ بهذا الدين في كل شئونها .. وهداية هذه الأمة ورشدها تأتي أولًا وأخيرًا من هذا القرآن الذي يقول الله فيه (( ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ) ) [البقرة: 2] وهم الذين وصفهم الله في الآيتين بعدها فهم إذن المحكومون بحكم الله وشريعته، وهم كما وصفهم الله (( أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ) [البقرة: 5] ولو لم يوجد رسول بينهم .. وقوله تعالى (( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) ) [الإسراء: 82] . فهو شفاء ورحمة للمؤمنين في كل زمان ومكان.