وما يُقال في جميع هذه الحواس يُقال عن عقل الإنسان، فهو المركز الذي يتلقى كل ما تلتقطه حواس الجسم وينظمها ويرتبها ويربط بين بعضها البعض ويستنبط منها معلوماته وخبراته، ويصدر الإشارات إلى أعضاء الجسم يحركها وينظمها بدقة متناهية. ولكن كل ذلك لا يكون إلا في حيز محدد يتوقف على خبراته وذاكرته ويكفي دليلًا على أن عقل الإنسان محدود تحديدًا شديدًا أنه من عدة قرون كان العالم الواحد يحيط بكل العلوم معًا كالطب والفلك والكيمياء والطبيعة والفلسفة والدين وغير ذلك من أوجه النشاط العلمي، وبعد تراكم المعلومات في كل علم من هذه العلوم فإننا لا نجد في عصرنا هذا من العلماء إلا من يتخصص في أحدها. بل إن كل علم أصبح مقسمًا إلى عدة فروع لا يمكن أن يلم العالم الواحد إلا بأحدها. مثال ذلك تقسيم الطب إلى أكثر من أربعين فرعًا أصبح كل واحد منها علمًا قائمًا بذاته.
مع كل هذه الحدود التي حددها لنا الله سبحانه وتعالى فقد ترك لنا مجالًا نختار فيه. إنك تسير أو تركب السيارة أو القطار أو الطائرة وأنت تسير كل هذه الأشياء، بل أنت مخترعها، لم تخلقها من عدم، ولكنك درست سنة الله في مخلوقاته، وبناء على هذه السنة اخترعت هذه الاختراعات، واستعملت في اختراعها الخامات التي أوجدها الله وعقلك وقوتك البدنية، وكلاهما أوجدهما وحددهما الله لك.
هذا مزيج من الاختيار والجبر. تختار في حدود حددها الله لك.
إنك تلبس وتأكل وتشرب باختيارك. فأنت لا تجد لباسًا يجبرك على أن تلبسه ولا أكلًا يجبرك على أن تأكله ولا شرابًا يجبرك على أن تشربه. ولكنك لا يمكن أن تلبس أو تأكل أو تشرب إلا من بين الأشياء التي جعلها الله لهذه الأغراض. لا يمكنك أن تلبس من لباس لم يوجده الله بل إنك لا يمكن أن تتصور الآن أن هذا ممكن. كذلك لا يمكن أن تأكل أو تشرب مما هو غير مخلوق لذلك.
هذا مزيج من الاختيار والجبر.