وهكذا نجد الرسول صلى الله عليه وسلم يتحمل أذى قومه طيلة دعوته في مكة ويصبر على ما هم عليه من كفر مرتقبًا أن النهاية معه، وأنه لا بد منصور ما دام قد التزم بالدعوة حتى يخرج الناس من الظلمات إلى النور كما صرح بذلك في قوله لعمه أبي طالب: (( والله يا عمي لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يُظهره الله أو أهلك دونه ) ). وكان في صبره هذا يتمثل بما جاءه في القرآن من وعد بالانتصار، من مثل قوله تعالى: َ (( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ* إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ(172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ )) [الصافات: 171 - 173)] . وقوله تعالى: (( فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ) ) [ق: 39] - وقوله: (( وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ) ) [الطور: 48] .
وظل على ذلك حتى تشرب الناس الإيمان وفقهوه ومالوا إليه وبدأوا يدخلون في دين الله أفواجًا. وكان صبره هذا لم يوئسه من نجاح الدعوة ومن الدعوة إلى الله في أي مكان. وكان أن هاجر إلى المدينة، وهناك واصل دعوته، وجاءه نصر الله والفتح. فبالأمل والإيمان وتحمل الأذى وتحمل الناس المدعوين، واعتبارهم مرضى وفي حاجة للشفاء، يمكن للدعاة أن ينجحوا في دعوتهم، ويغلب حقهم باطل غيرهم.
ولقد رأيت شيئًا كثيرًا من ثبات الدعاة في أيامنا هذه، فرغم أن فترة الدعوة في هذا العصر قد طالت وترقب الجميع طلوع الفجر واستعجلوه، إلا أن الدعاة صبروا وثابروا وثبتوا في الميدان أمام المعوقات التي كانت تُوضع لهم، ولا يزالون صابرين مثابرين بحمد الله حتى بدأت تباشير النصر تبدو في الأفق ويظهر للحق اسم وله رسم.