وكان اليهود في المدينة وما حولها ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، وقد ارتبطت بعهود مع هذا الحي، أو ذلك من المشركين.
كان بنو قينقاع حلفاء الخزرج، وكان بنو النضير وبنو قريظة حلفاء الأوس (13) ، فكانت الحرب إذا نشبت بين الأوس والخزرج قاتلت كل قبيلة من اليهود مع حلفائها من المشركين، فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي اليهودي من القبيلة الأخرى - وهذا حرام عليهم بنص ميثاق الله تعالى معهم - وكانوا يخرجونهم من ديارهم - إذا غلب فريقهم - وينهبون أموالهم، ويأخذون سباياهم - وهذا أيضًا حرام عليهم بنص ميثاق الله تعالى معهم - ثم إذا وضعت الحرب أوزارها فادوا الأسرى، وفكوا أسر المأسورين من اليهود:
(( وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ ) ) (14) . في ذلك يقول العلامة أبو الأعلى المودودي في تفسيره ما ترجمته:
(( فلما سقط بعضهم في يد بعض أسارى أطلق كلا الطرفين سراح ما عنده لقاء فدية. وحينما سئلوا عن هذه التجارة غير الإنسانية في إخوتهم عللوا ذلك بما جاء في كتابهم ) ).
والميثاق الذي جاء في التوراة: (( ألا يقتل بعضهم بعضا، أو يخرجه من داره، وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه وأعتقوه(15) .
ولا شك أن في موقف بني إسرائيل من هذا الميثاق تناقضًا هو الذي يواجههم به القرآن في استنكار وتوبيخ: (( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ) ) (16) [البقرة: 85] كيف تفرقون بين أحكام الله؟
وإنما سميَّ عصيانهم بنقضهم الميثاق كفراُ، لأن من عصى أمر الله - تعالى - بحكم عملي معتقدًا أن الحكمة والصلاح فيما فعله بحيث يتعاطاه دون أن يكون في قلبه أثر من التحرج، ودون أن يأخذه ندم وحزن من أجل ما ارتكب فقد خرج بهذه الحالة عن سبيل المؤمنين.