فهرس الكتاب

الصفحة 4055 من 18318

ولا أعلم اللغة التي أعطت للكاتب الحق أن يقصر تفسير (( فبلسانه ) )على المناجاة فقط، كما أنه ليس في الحديث الشريف مجرد الإيماء إلى هذا المعنى. والنجوى ما يكون من خلوة اثنين أو ثلاثة يسرون شيئًا ويتناجون به. وقد نهى الله عز وجل المؤمنين في سورة المجادلة عن أن يتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول كما يفعل اليهود حينما يتغامزون ويتناجون ليغيظوا المسلمين، ولكنه سبحانه أمرهم أن يتناجوا بالبر والتقوى. والآية عامة في كل ما يتلفظ به المؤمن، وكيف أن الله مطلع عليه. وهل في شريعة الله أن الإنسان الذي يعجز عن استخدام إرادته القوية في تغيير نفسه وإبعادها عن المنكر، يصح له أن يمارس المنكرات والرذائل ثم يكتفي بعد ذلك بأن ينكر لسانه عليه ما يمارسه من إثم وفجور، ثم يقال بعد ذلك أن عليه أن يناجي نفسه لعجزه عن تغييرها؟ ولا أعلم تفسيرًا للحديث يشجع على ارتكاب المنكر مثل هذا التفسير. فإن معناه أنك إن عجزت عن تغيير نفسك فيكفيك أن تناجيها لتسلم من العقاب .. والاستدلال في هذا الموقف بالنفس اللوامة استدلال باطل، لأن النفس اللوامة هي التي تلوم على ما فات وتندم عليه، وليست هي التي تناجي وتلوم وهي منغمسة في الإثم.

والواقع أن الحديث ليس دعوة إلى العنف. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب منك أن تغير المنكر باليد بشرط الاستطاعة، وباللسان بشرط الاستطاعة. ولذلك يقول العزيزي في الجامع الصغير في تفسيره للحديث (( رأى ) )علم (( منكم ) )معشر المسلمين (( منكرًا ) )قبحه الشرع قولًا أو فعلًا (( فليغيره ) )وجوبًا إن استطاع (( فإن لم يستطع ) )تغييره بيده فليغيره بلسانه كاستهجان وتوبيخ، فإن خاف ضررًا فالواجب إنكاره بقلبه بأن يكرهه ويعزم على تغييره إن قدر. وذلك الإنكار بالقلب أضعف الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت