فمن ذلك أن الله تعالى أنزل عليه قوله الكريم (( ِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ) ) [الجمعة: 10] فكان يذكر الله تعالى على سائر أحواله: من التفكير في خلق السموات والأرض، ومراقبة الله في السر والعلن، وكان دائم العبادة، موصول الطاعة لربه، الثقة بالله تملأ قلبه، والتوكل عليه والملاذ إليه كنزه الذي لا يفنى.
يذكر الله تعالى في كل شأن من شئونه: قبل النوم وبعده، وقبل الأكل وعند الانتهاء منه، وقبل وبعد الشرب، وعند دخول المسجد والخروج منه، وعند دخول الخلاء والانتهاء منه، وعند لبس الثوب، وعند نزول المطر، وعند استماع الرعد، وغير ذلك من الأذكار التي سنها صلى الله عليه وسلم لأمته، وأجلها قدرًا غض البصر والعزوف عما حرم الله.
وصفوة القول أنه لا يقعد ولا يقوم ولا ينام إلا على ذكر الله تعالى. فعندما يشرع في السفر - والسفر قطعة من العذاب - كان يدعو الله تعالى بأدعية اشتملت على مصالح الدنيا والدين، ودفع المكاره والشرور، وشكر المنعم على نعمائه، والتذكر لآلائه وكرمه، والتمس من الله أن يكون السفر بلاغًا إلى طاعته تعالى، ووسيلة تقرب إليه بأي سفر مباح.
والسفر المباح كسفر التجارة والتعلم وزيارة معالم الحضارة، وغير ذلك مما يزيد المرء مالًا أو ثقافة أو علمًا. وكذلك سفر العبادة كشد الرحال للمساجد الثلاثة، وزيارة الوالدين والأرحام في أماكن تستوجب السفر. فكل أنواع هذا السفر يفتتح بذكر الله والثناء عليه وطلب الإعانة منه.
أما سفر المعصية، كمن يسافر لتجارة الخمور والمخدرات، وإقامة الحفلات الراقصة أو شهودها، فالشيطان مع هؤلاء المسافرين، ومن يكن الشيطان له وليًا فلن تجد له نصيرًا.