والمفهوم من هذه الآية أن طاعة الله واجبة بلا قيد ولا شرط لأنه إله. ومن خصائص ألوهيته أن يسن التشريع لعباده. فشريعته واجبة التنفيذ وهي مدونة في قرآنه، وأرسل بها رسولًا - لا ينطق عن الهوى - ليبينها للعباد. كما أن طاعة الرسول واجبة بما له من صفة الرسالة هذه. فطاعته إذا من طاعة الله الذي أرسله بهذه الشريعة، وأمره ببيانها للعباد في سنته. وعلى ذلك فقضاء الرسول جزء من الشريعة واجب النفاذ، وإيمان المؤمن يتعلق وجودًا وعدمًا بهذه الطاعة وهذا التنفيذ.
وأما طاعة أولى الأمر فمتوقفة على تحقق شرط الإيمان وحد الإسلام فيهم كما تفيد لفظة (منكم) وعلى تحقق شرط أن يكون المأمور به في حدود المعروف من شرع الله، والذي لم يرد نص بحرمته، وبلاغة القرآن تتجلى هنا في إيراد الأمر الصريح بطاعة كل من الله ورسوله.
أما عند إيراد طاعة أولى الأمر فلم يأت الأمر بذلك صراحة، وإنما جاء معطوفًا بالواو على طاعة الله وطاعة الرسول ليفهم أولو الألباب أن طاعة أولي الأمر لا يمكن أن تتم إلا في حدود ما أمر الله وما أمر رسول الله. يؤكد ذلك الفهم ما جاء بعد ذلك من الآية يفيد أنه من الطبيعي أن يختلف الحاكم مع المحكومين كبشر في بعض الأمور التي لم يرد فيها نص صريح، وأن يتحتم عندئذ الرجوع إلى المبادئ الكلية في منهج الله وشريعته واعتبار ذلك من مقتضيات إيمان كل من الحاكم والمحكوم، والسنة المطهرة تؤكد هذا المعنى فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم (إنما الطاعة في المعروف) ويقول (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) .
وأما الأساس الثاني من أسس نظام الإسلام السياسي فهو الرسالة: تلك الوسيلة التي بها يصل القانون الإلهي إلى الناس عن طريقين اثنين: -
أولهما: كتاب الله تعالى المنزل على الرسول، والذي يبين الله فيه قانونه.