ومن عز الدنيا اجتماع الكلمة على الحب. ومنشأ ذلك ومرده صدق الصلة بالله وإجلاله وتقواه. فالعبادات كلها روحية وبدنية ومالية أسباب تتوثق لتمكن العابد والمطيع من عزة يتسع أفقها وتسمو غايتها.
فمقيم الصلاة عزيز لأنه يطرح وراء ظهره عوامل الفتنة ومظاهر الإغراء، ويستقبل بوجهه روحانية عالية، فما يكاد ينطق بلسانه (( الله أكبر ) )حتى يدخل في هذه الحظيرة القدسية إلى كنف هذا العلي الكبير، ويحتمي في جلال القوي العزيز، وينعم بالقرب من هذه العزة الغالبة التي تتغشاه وتتولاه. وحديث رسولنا صلى الله عليه وسلم (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) .
أما المنفق في سبيل الله زكاة أو صدقة فإنه لذلك عزيز، لأنه يقوم بأمر الله خليفة في إطعام المحروم وغوث الملهوف. والله يقول (( ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَءَامَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ) ) [الحديد: 7] وعزيز لأنه يقرض الله قرضًا حسنًا، فهو يتعامل مع ربه. والمعاملة العزيزة عزة. واليد العليا قد أعزها الله بالغنى. ولأن إجماع الناس على حبه والدعاء له إعزاز من أجل فضل الله، فهو عزيز في نفسه وفي قومه وعشيرته.
والصائم عزيز في ترفعه عن الاستجابة لحاجة نفسه من طعام وشراب، ومن الخضوع لمآثم النفس ومآرب الشهوات. فهو قد كف نفسه عن كل ما يفسد صومه، وتسامى إلى مصاف الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
كذلك من يحج البيت ويفد ضيفًا على الله ويبر حجه بإخلاص التلبية. يطوف منيبًا تائبًا ويشهد المناسك في غير إثم ولا عصيان فهو عزيز بتكريم الله له. يعتز بمنشأ الرسالة وأول طريقها ليجدد مسيرة الدعوة والنور ليلحق بركب من أعزهم الله العزيز.