وحديث القرآن إلينا في هذا المجال، حديث واسع، ويؤكد بعضه بعضًا بأن التقويم القمري هو التقويم الذي يجب أن يتبع. فقد أقام تشريعنا فيما يتصل بالمواقيت على تلك الشهور، سواء في العبادات كصوم رمضان وحج البيت، أو بالسياسة كالأشهر الحرم، أو الاجتماع كالعيدين، أو الاقتصاد كوجوب الزكاة إلى آخر ما هناك من تشريع يقوم على التوقيت أو يتصل به، (يسألونك عن الأهلة قُلْ هي مواقيت للناس والحج) البقرة: 189.
فقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدد تفسير هذه الآية أنه قال: (جعلها الله مواقيت لصوم المسلمين، وإفطارهم، وعدة نسائهم ومحل دينهم) .
وفي رواية أخرى: (يعلمون بها حل دينهم وعدة نسائهم، ووقت حجهم) . وهنا نستطيع أن نرى مدى تقدير الله سبحانه لهذه الأمة ولتاريخها، فقد عمل على إحياء هذا التاريخ والعمل به بمثل هذه الآية المتقدمة، وبآية أخرى وهي قوله تعالى: (إنما النسيء زيادة في الكفر يُضَلُ به الذين كفروا يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا) التوبة: 37، وكان هذا النسيء تأخير الأشهر الحرم عن مكانها. إذا صادفتهم وقت القتال. وقد ترتب على هذا أن وضعت الشهور في غير مواضعها: حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستطع أن يحج إلا في العام العاشر للهجرة، حيث كان الزمان قد استدار كهيئته، وأصبح المحرم، هو المحرم، والحجة هو الحجة وذلك بتعيين الرسول صلى الله عليه وسلم للشهور في أماكنها وإرجاعها إلى مواضعها. وجعل السنة اثني عشر شهرًا، لا أكثر، كما قالت الآية الكريمة (إنّ عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله) التوبة؛ لأنهم كانوا يريدونها أيضًا بهذا النسيء ثلاثة عشر، أو أربعة عشر.