فهرس الكتاب

الصفحة 4226 من 18318

ولنتدبر الحديث الآتي لنتبين فظاعة الكذب وبعده عن الإسلام. قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أيكون المؤمن جبانًا قال: نعم. أفيكون بخيلًا قال نعم. أفيكون كذابًا قال: «لا» وليس معنى هذا الحديث أن الإسلام يقر الجبن أو البخل، فالآيات الكريمة والأحاديث مستفيضة في امتداح الشجعان الذين يستشهدون في سبيل الحق. وفي امتداح الكرماء الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. وإنما المقصودمن هذا الحديث بيان فظاعة الكذب بالنسبة إلى غيره من الرذائل، وأنه يزعزع أساس الإيمان. وإذا أردنا أن نفهم السر في ذلك فهو أن الكذاب يعلن بكذبه أنه جبان أمام الناس جرئ على الله. فالكذاب يخشى الناس ولا يخشى الله تعالى، ويتوارى منهم ولا يتوارى منه وهو المطلع عليه (( يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ) ) [النساء: 108] ومن أقوى الدلائل على الحاجة الماسة إلى الصدق في النظام الاجتماعي أن الكذبة الواحدة قد تزري بالرجل فلا يصدق بعدها وتسقطه في الميزان الاجتماعي فلا تقوم له بعدها قائمة. وتعليل ذلك أن الكذبة الأولى إذا أساغها صاحبها سهل عليه أن يردفها بثانية وثالثة حتى يصبح الكذب عنده عادة متأصلة. ولقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الكذب في أي صورة من صوره. يروي أبو داود عن أم عطية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم سمعها تنادى على وليدها: تعال أعطيك. فابتدرها صلى الله عليه وسلم: ماذا كنت تنوين أن تعطيه؟ قالت تمرًا. قال: «لو لم تفعلي لكتبت عليك كذبة» لأنه صلى الله عليه وسلم يعلم قيمة القدوة والتأسي بالبيت وما يغرس فيه. وهكذا الصدق يبني الأجيال ويقوم المجتمع. وأيضًا شدد النكير على نقض العهد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت