هذا، وجائز أن يكون ربنا قد عنى الكتابين جميعًا - الكتاب المكنون عنده فوق العرش، والكتاب المنزل على موسى - فإن ما في التوراة من التفصيل لكل شيء، والهدى والرحمة، والفرقان والتبيان، والتفصيل لكل شيء، والوعد والوعيد، والوصايا والشرائع والأوامر، والنذر والتخويف من الكفر والفسوق والعصيان عن أمر الله بذكر العواقب، والتذكير والعبر - وإنما نزل من الكتاب المكنون الذي سمّاه الله تعالى (أم الكتاب) أي الجامع لكل ما في الكتب المنزلة، وكتب الأعمال، والذي كتب فيه كل شيء قبل خلق السموات والأرض.
وقوله (لتفسدن) أصل (الفساد) في لغة القرآن (لغة العرب - نقيض(الصلاح) والشيء يصلح حين يستكمل الصفات والشروط والأسباب، التي باستكمالها يؤدي المقصود منه، ويبلغ الغاية المرجوة. فالفساد: عدم حصول هذه الصفات والشروط والأسباب كاملة على الوجه المطلوب للشيء، فلا يؤدي المقصود منه.
وهي في كل شيء - الإنسان والحيوان والنبات والهواء والماء وغيرها - بحسبه، وبحسب خلقه، وما خلق له.
وصلاح الإنسان: إنما يتحقق باستكمال الصفات والأسباب والشروط التي جعلها الله العليم الحكيم- بالفطرة وبالعلم والمعرفة من سنن الله الكونية، أو من وحيه ورسالاته المنزلة - فإن الله سبحانه جعلها مؤدية بالإنسان إلى الصلاح والإنتاج النافع والإثمار، الثمار الطيبة الصالحة لجعل حياته طيبة، تتوفر له فيها أسباب الفلاح والفوز، والسعادة وطيب العيش. ورغده وتبعد عنه النكد والشقاء في أولاه وآخرته.
وفساد الإنسان: بفقدان ذلك أو بعضه. فبفقده وتضييعه يثمر لنفسه ولمن حوله ثمرات فاسدة خبيثة، وينتج نتائج ضارة له ولمجتمعه، منغصة لحياته وحياتهم. فيشقى بذلك في الأولى والأخرى.