فلما أرسله الله إليهم، ودعاهم إلى إقامة العمل بالتوراة، وانتهاج نهجها القويم، ليتخلصوا من الفساد والبغي، وحياة البؤس والذلة: قام شيوخهم من الأحبار والرهبان بعدائه أشد العداء، وافتروا عليه وعلى أمه الصديقة البتول هذه الفرية التي لا تليق إلا بهم، وبرقابهم الغليظة وقلوبهم التي هي أشد قسوة من الحجارة. ولم يعبأ عيسى عليه السلام، ولا العقلاء الذين اتبعوه بإشاعتهم هذه الفاحشة، بل ثابر في الدعوة إلى ربه، وبذل الجهد في تخليصهم فلما رأوا أن تلك الفرية لم تكف عيسى عن تبليغ رسالة ربه: سعوا بكل ما استطاعوا عند الملك الروماني الوثني حتى حكم على عيسى ابن مريم عليه السلام بالقتل والصلب، ووكل إلى أحبارهم ورهبانهم تنفيذ هذا الحكم، ليحملوا وزره.
ولولا أن الله طهر عبده ورسوله عيسى من أيديهم الأثيمة الرجسة، ورفعه إليه، وألقى شبهه على واحد منهم، لنفذوا فيه الحكم القاسي أشد القسوة. وهم إلى الآن يعتقدون: أن الذي قتلوه وصلبوه: هو عيسى رسول الله عليه السلام، ثم أغروا النصارى باعتقاد ذلك، وباعتقاد قداسة قتله وآلة قتله، والخشبة التي عذب عليها. فلا شك أنهم يحملون إثم قتل عيسى بما يعتقدون ويدينون إلى اليوم وبعد اليوم.
فعاقبهم الله على كفرهم الشنيع، وبغيهم الفظيع في قتل زكريا ويحيى ومن قبلهما ومن بعدهما من الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام بأن سلط عليهم الآشوريين والكلدانيين مرة هؤلاء ومرة أولئك (فجاسوا خلال الديار) أي لم يتركوا مدينة ولا قرية إلا دخلوا قصورها ودورها ومعابدها يقتلون وينتهكون الأعراض، ويأسرون ويغنمون، ولم يتركوا أرضًا زراعية، ولا بستانًا ولا مصنعًا إلا خربوه وسلبوا ما فيه من آلات ومنتوجات، وقتلوا وأسروا من فيه.