(وإن أسأتم فلها) أي كما أسأتم وأفسدتم في الأرض كما أفسدتم، فسيسلط الله عليكم من هو أقوى وأشد بطشًا، ويذيقكم من العذاب الدائم والذلة الملازمة: ما يسيء وجوهكم، ويكسوها الخزي والذلة والمقت. وهو الذي سماه في الآيات الأخرى (خزي الدنيا) (ويتبروا ما علوا تتبيرًا) يعني يخربوا بلادكم ويهلكوا دولتكم وسلطانكم أشد التخريب والإهلاك. فتخسرون كل شيء في الأولى والأخرى.
فلم يحسنوا الانتفاع بنعم الله، وفي أخذ شرائع الله، بل بغوا وطغوا وفسقوا وعصوا، وأساءوا أشد الإساءة. وأفسدوا في الأرض أشد الإفساد. كما وصف الله ذلك في كتابه، واتبعوا أهواءهم، وحرفوا الكلم عن مواضعه، فازدادت قلوبهم قسوة، ونفوسهم رجسًا، فأخذهم الله بذنوبهم، وسلط عليهم مرة أخرى من صنع مثل صنيع الأولين وأشد.
ولا يزالون إلى اليوم وبعد اليوم في التبار والذل والصغار؛ لأنهم لا يزالون أشد الناس إفسادًا في الأرض. فقد حاولوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بإلقاء حجر رحى عليه من عل - وكان سبب غزوة بني النضير وإجلائهم - ثم سموه في خيبر. ثم في خلافة عمر رضي الله عنه - وقد اتسعت الفتوح، وأجلاهم عن جزيرة العرب - كونوا (الجمعية الباطنية) الإرهابية برياسة كعب الأحبار، فاغتالت عمر رضي الله عنه. ثم ألبت على عثمان رضي الله عنه حتى قتلته، ثم أغرت بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، حتى كانت وقعة صفين التي أريقت فيها دماء أربعين ألفًا من المسلمين، وشغلتهم عن الفتوح الإسلامية ثم قتلت عليًّا، ثم ابنه الحسين، ثم عملت مع أبي مسلم الخراساني حتى قضت على الدولة الأموية العربية، وأتت بالعباسيين، لتكون الدولة في كفالة الفرس عبدة النيران، وفي حضانة الفلسفة الفارسية، واليونانية، لتزيغ القلوب، بعد أن تحجب، عنها شمس القرآن.