فنرى أن يونس عليه السلام دعا قومه إلى الهدى فكفروا به وكذبوه فغضب منهم وترك لهم بلدتهم يعيثون فيها فسادًا وظن أن الله لن يضيق عليه بالاستمرار مع هؤلاء المعاندين وقرر أن يرحل فربما يرسله الله إلى قوم يسمعون له، فكان أن أراه الله الضيق الحقيقي في ظلمة بطن الحوت يغوص به في ظلمات البحر ومن فوقه ظلمة الليل. فأحس بخطئه واستغفر ربه واعترف بذنبه، فما كان له أن يترك ميدان الدعوة دون أمر من الله ولا أن يمل من تكرار دعوته مرة ومرات إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، فإن للقلوب لحظات قد تنفتح فيها مغاليقها وتسمع لداعي الحق. وفرقة رابع حملت على عاتقها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكنها ضلت الطريق السليم إليه فراحت تكفر هذا وتفسق ذاك وربما استخدمت العنف والقوة مع الناس بلا سلطان عليهم أو تمكين من الله في الأرض، وهذا الأسلوب وإن كان هدف أصحابه الإصلاح إلا أنه يضر أكثر مما ينفع إن كان له نفع. وقد يجعل أصحاب الباطل تأخذهم العزة بالإثم وتكون فتنة وفساد كبير بل ربما استشاط أهل الباطل غضبًا على دعاة الحق ويكون هلاك لا يفرق فيه الموت بين باغ للحق ومعتد بالإثم، والشواهد على ذلك كثيرة لا سيما في دنيا الناس اليوم. كل ذلك بسبب تعجل نتائج الدعوة والافتقار إلى الصبر والمصابرة، ونسوا أن الصراع بين الحق والباطل قديم قدم البشرية باق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وعلى ذلك فنجد أن هدي القرآن يبين لنا الطريق الصحيح للقيام بهذا الأمر فآيات الله تتنزل على خير الهداة وسيد الدعاة صلى الله عليه وسلم: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) النحل 125 (عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) الرعد 40 (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ%لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ) الغاشية 21 - 22.