وحين يرى المسلم أن المشكلة خاضعة لسنة عامة تنطبق على سائر البشر ولا تخص المسلمين وحدهم يشمر عن ساعد الجد في تغيير ما بنفسه حتى يضمن أن يغير الله ما به من واقع مر، كما أنه يدرك ضرورة استفادته من الوقائع التاريخية البشرية التي حدثت للأقوام قديمًا وحديثًا والتي ستظل تحدث حتى قيام الساعة وصدق الله العظيم (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) [آل عمران: 137] (كَدَأْبِءَالِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَاءَالَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِين) [الأنفال: 54] ويصور الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بصورة من يرى المستقبل من خلال السنين حين يقول (لتتبعن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة) حتى أنه يصل في المشابهة إلى أن يحشرهم جميعًا في حجر الضب.
وسنة الله في التغيير هذه تقرر عدل الله في معاملة العباد، فلا يسلبهم نعمة وهبهم إياها إلا بعد أن يغيروا نواياهم ويبدلوا سلوكهم، ويقلبوا أوضاعهم، ويستحقوا أن يغير ما بهم مما أعطاهم إياه من النعمة التي لم يشكروها. كما أن سنة التغيير الإلهي هذه تدل على تكريم الله للإنسان أكبر تكريم حين جعل قدره سبحانه ينفذ ويجري عن طريق عمل الإنسان، وحين جعل التغيير القدري في حياة الناس مبينًا على التغيير الواقعي في قلوبهم ونواياهم وسلوكهم وأعمالهم وأوضاعهم التي يختارونها لأنفسهم. كما أن سنة التغيير الإلهي هذه تلقي على الإنسان تبعة عظيمة. فهو يملك أن يستبقي نعمة الله عليه، بل هو يملك أن يزاد عليها إذا هو عرف فشكر، كما يملك أن يزيلها عنه إذا هو أنكر وبطر وصدق الله العظيم (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد) [إبراهيم: 7] .