وتنازع البقاء غريزة أودعها الله جوانح الحيوان، كل الحيوان. بيد أنه سبحانه سكن من ثورتها في بني الإنسان بالرسالات وقيمها، وتعاليمها. ذلك لأن اضطرام تلك الغريزة يحيل الإنسان إلى حيوانية شرسة، والمجتمع إلى غابة موحشة، وهذه الغريزة رافد دائم يغذو تلك العلل المدمرة التي تعتمل بين جوانح الإنسان وتجعله كنودًا، ظلومًا، جهولًا، كفورًا، هلوعًا، منوعًا جزوعًا طاغيًا يئوسًا، قنوطًا .. الخ تلك الصفات التي وصم القرآن بها الإنسان والتي تورث التدابر، والتناحر، والشقاق.
والمولى سبحانه يحد من طغيان هذه الغريزة بتحريم الفردية، والأنوية، وكل روافد الشرك الأصغر من رياء، وتسميع، وشهوة خفية، وختل للدنيا بالدين وفق ما روى الترمذي عن أبي هريرة (يخرج في آخر الزمان رجال يختلون(1) الدنيا بالدين يلبسون جلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من السكر، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله: أبي يفترون، أم علي يجترئون، فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم فيهم حيران).
كما يشبع سبحانه سغب تلك الغريزة بالحث على التنافس واستباق الخيرات. فالله يقرر في كتابه أنه مهيمن على لفتات العبادة، عليم بالنوازع، محيط بالأبعاد، مستحوذ على النواصي، محتمًا على العباد أن يستبقوا الخيرات (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) البقرة 148.