فهرس الكتاب

الصفحة 4830 من 18318

كما يسلمك هذا التصوير - من حيث تدري، أولًا تدري - إلى الأمة التي احتشدت حول ورد مدين يسقون، وإلى موسى عليه السلام وهو يجود بما امتلك، وإلى عائد المعروف الذي لا يضيع بين الله وبين الناس (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ... ) القصص 23 - 25.

ومفاد كل هذا: أن الإسلام ورد الله المورود في الأرض وأن عطاءه الذي لا ينضب حري أن يجمع الناس، ويستهوي الأفئدة.

وإن ورثة الأنبياء يقومون - كالأنبياء - على حياضه ينظمون، ويؤلفون، ويقسمون بالسوية، ويعينون حتى يصدر كل الناس مرتوين مفعمين بمعاني الخير، فإذا حيل بين الناس وبين هذا الخير اجتهدوا وبذلوا وظهروا على من ناوأهم، وجمعوا على الحق، وردوا كيد كل دجال يفتن فيضل، ويفرق ليفترس، ويموه فيبالغ في التمويه الذي يسحر المدارك، ويخدر المشاعر ويصيب بغيبوبة.

وأن فاعلية أولئك العدائين حملة المشاعل تتوافق توافقًا طرديًا مع حجمهم المادي، والمعنوي، ومع أنفاسهم التي قد تطول او تقصر، ومع طاقاتهم فقد تقاوم حرارة الاحتكاك، وقد تحترق.

وأنهم - قل فيضهم أو كثر- لا يسقطون إلا بعد أن يؤدوا إلى من خلفهم قبسًا من جذوتهم، تحتويه الصدور، وتوريه (2) ونربيه (1) ، أو تحفظه وتؤديه، وهكذا يدوم نبض هذا الدين، ويتتابع على ساحته حملة المشاعل رغم غربة الإسلام ومحنة المتدينين. وتعثو إلى مشاعلهم أسودة وتهفو أفئدة وينشأ مركز مد تطيب به ليال، وتسهد له جفون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت