إن فريضة الحج فرضها الله تعالى من قبل على خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأرشده الله إلى مكان البيت ولم يكن يعرف لأحد من قبل (ومن أراد تفصيلًا في ذلك فليرجع إلى ما كتبناه في بناء الكعبة في عدد المحرم 1402 من مجلة التوحيد) .
وأمره الله بإقامته بمساعدة ولده إسماعيل، ثم أمره الله تعالى أن يؤذن في الناس بأن يحجوا إلى بيته الحرام. فكانت هذه العبادة محببة لجميع المؤمنين، الذين صفت قلوبهم لله، وامتثلوا أوامره، وسمعوا نداءه وكانت في جوهرها عبادة خالصة لله تعالى.
وبعد أن طال الزمن تغيرت طرق القيام بها، وتعددت الاعتقادات والعبادات، وعبدت الأصنام مع الله وفي بيته الحرام، ودام الحال على هذه الوثنية، حتى بعث الله رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، الذي مكث في قومه قبل الرسالة أربعين عامًا لم يدنس بشرك الجاهلية. فكان يعبد على ملة جده إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ولم يحج قبل الإسلام إلا مرة واحدة، كما أنه لم يحج في الإسلام إلا حجة الوداع. ولما أوحى الله تعالى إليه بقوله الكريم (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين) آل عمران 98 خطب في الناس وقال إن الله فرض عليكم الحج فحجوا، فقال رجل أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا. ثم قال: لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم. ثم قال (دعوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم) .
أما الاعتمار، فقد اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة أربع عمر، كلهن في ذي القعدة. وها هي أوقاتها:
(1) عمرة الحديبية وهي الأولى، كانت سنة ست من الهجرة فصده المشركون عن البيت الحرام. فنحر الذبائح حيث صد بالحديبية، وحلق هو وأصحابه رءوسهم، وحلوا من إحرامهم ورجع من عامه إلى المدينة.